من هي الشركات السعودية الكبيرة المستحقة لبرنامج انقاذ ائتماني؟

نشرت هذه المقاله في صحيفة الاقتصادية بتاريخ 22/06/2009م.  اضغط هنا لمشاهدة نسخة المقالة

ضمن مساعيها لتحفيز النشاط الائتماني في الاقتصاد، خفضت مؤسسة النقد العربي السعودي، سعر الريبو العكسي للمرة الثالثة في العام الحالي بمعدل 25 نقطة أساس إلى 0.25 % ، وهذا يعني تقليل جاذبية ايداع البنوك اموالها الفائضة لدى مؤسسة النقد ، وبالتالي تحفيز تلك البنوك لتشغيل هذه الأموال في نشاطها الائتماني بالسوق المحلي. 

والبنوك السعودية تواجه هذه الفترة مخاطر الإقراض لآجال طويلة في ظروف اقتصادية عالمية ومحلية غير واضحة المعالم.  فقد تأثرت عدد من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية المحلية بالأزمة العالمية وخصوصا تلك التي تعتمد على التصدير.  كما تأثرت بها الشركات الممتدة أصولها الاستثمارية خارج المملكة وانخفضت قيمها الرأسمالية وايراداتها من هذه الاصول وبالتالي انخفضت مقدرتها على تسديد التزاماتها الائتمانية.  وسمعنا مؤخرا عن شركات عائلية ممتدة التاريخ والخبرة الى عقود من الزمن أصبحت معرضة لشكل من أشكال الإفلاس بعد توقف البنوك عن إقراضها ومطالبتها بكامل ماعليها من التزامات سواء قصيرة او طويلة الأجل.  وانخفضت درجات التقييم التي تمنحها مؤسسات تقييم الائتمان العالمية لعدد من الشركات المحلية بناء على انكشاف هذه الشركات على مخاطر ائتمانية جدية. 

ومؤخرا ، قرأت مقالا للدكتور عبدالعزيز الدخيل، رئيس المركز الاستشاري للاستثمار والتمويل ، يدعو فيه وزارة المالية ممثلة بصناديقها الاقراضية الى توفير مصادر تمويل وضمانات تمويل للشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة ذات الملكية الخاصة التي تعرضت لجفاف الخطوط الائتمانية المقدمة لها من البنوك ، أسوة بمثيلاتها التي تملك الحكومة كل او جزء من حصصها مثل شركتي سابك وحديد.  وبلا شك، فأن على وزارة المالية دور كبير في مراقبة النشاط الاقتصادي بعين فاحصة في مثل هذه الظروف الذي تتداخل فيه العديد من العوامل المحلية والعالمية، ومن ثم التدخل لاصلاح او تعديل مايمكن ان يؤثر سلبا على الاقتصاد والذي بدوره يؤثر على حاجة المواطن من وظائف وسلع وخدمات.  واثبتت الاحداث العالمية الاخيرة أنه لايمكن تطبيق النهج الرأسمالي الصرف فيما يخص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.  فهناك العديد من العوامل الهامة التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار لتقدير المدى الذي يمكن ان تتدخل فيه الدولة في النشاط الاقتصادي.  وفي رأيي ان أبرز عاملين هامين في حالتنا السعودية هما مستوى التوظيف للموارد البشرية والمادية الذي يمكن ان يخسره الاقتصاد بتساقط هذه الشركات، وعدم وجود نظام افلاس يحمي الشركات من الدائنين.

فاذا اصبح تعرض عدد محدود من الشركات الكبيرة لخطر الافلاس يمكن أن يؤدي الى فقدان الاف من المواطنين لوظائفهم، أو يؤدي الى توقف انتاج منتجات او خدمات اساسية للمواطن، أو تفقد معه الدولة مصدر دخل ناتج عن استغلال مورد طبيعي، فأن على الدولة التدخل لانقاذ هذه الشركات أو القطاع وعدم تركها وحيدة تواجه قوانين السوق الرأسمالية البحتة.  وهذا ماطبقته الحكومة الامريكية لانقاذ العديد من رموزها التجارية.

 بالاضافة الى ذلك، تواجه الشركات السعودية مخاطر الافلاس بدون وجود نظام افلاس يحميها من الدائنين الى حين اعادة هيكلة اعمالها كما هو الحال في النظم الرأسمالية المتقدمة.  وبالتالي، فأن الحجز على اصول الشركة بناء على طلب الدائنين يعرضها الى توقف انشطتها التشغيلية ومن ثم تفتيت قيم هذه الاصول وزوال الشركة.     

لذا، اتفق مع الدكتور الدخيل أن على وزارة المالية عبر احد اذرعها التمويلية مثل صندوق الاستثمارات العامة او صندوق التنمية الصناعي انشاء برنامج طوارئ عاجل تشتري بموجبه الوزارة القروض المستحقة على هذه الشركات أو تقدم الضمانات مقابلها للبنوك التجارية وتقدم قروض قصيرة الاجل لتمويل رأس المال العامل وبالتالي اعادة النقد الى شرايين هذه الشركات للعودة مرة أخرى للإنتاج والربحية المتوقعة منها. 

واستعرض هنا المعايير التي أرى وجوب توفرها في الشركات ومؤسسات الأعمال المستفيدة من هذا البرنامج.

1-      أن تكون انشطة الشركة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويدخل في هذا المعيار معظم الشركات الصناعية والخدمية، بينما تستبعد الشركات ذات الطابع التجاري المعتمدة على الاستيراد فقط.     

2-      أن تكون انشطة الشركة ذات جدوى اقتصادية طويلة الأجل مع الاخذ في الاعتبار الازمة المالية الحالية وتوقعات سوق منتجاتها المستقبلية.  وهذا يعني تطبيق اجراءات البنوك التجارية في تقييم اداء الشركة والجدوى الاقتصادية لانشطتها ثم اتخاذ قرار تمويلها بغض النظر عن عنصر المخاطرة الذي منع البنوك التجارية من تمويل هذه الشركة. 

3-      أن تتنازل الشركة عن شئ من أصولها كضمان لصالح الصندوق الحكومي الذي مولها او قدم لها ضمانات وتسهيلات ائتمانية.  وهنا أشير الى أنه لابد للصندوق الحكومي من تخفيض متطلباته في الرهونات التي يمكن ان تقدمها الشركة للاستفادة من هذا البرنامج ، على اعتبار ان هدف الصندوق الاول هو نجاح واستمرار الشركة ويأتي بعده ضمان مستحقاته التي يمكن ضمانها بالسيادة العامة للدولة على الشركة.    

4-      أن يقتصر التمويل على الأنشطة التشغيلية والمالية فقط ، وليس التوسعات الرأسمالية ، التي يمكن ان تمول عن طريق طرح أسهم او دخول شركاء جدد أو غيرها من طرق التمويل بالحصص اذا لم يتوفر التمويل بالقروض.  كما يمكن تأجيل هذه التوسعات الرأسمالية الى حين تحسن الوضع الائتماني للشركة والاقتصاد بشكل عام، وهو مافعلته العديد من الشركات الحكومية والخاصة التي أعلنت عن تأجيل تنفيذ خططها التوسعية التي سبق وأن أعلنت عنها في فترة ماقبل الأزمة الحالية. 

5-      أن تكون الشركة في وضع ائتماني خطر لاتستطيع معه الحصول على تمويل أنشطتها التشغيلية من الائتمان البنكي التجاري.  وبذلك لا تدخل في البرنامج شركة يمكنها الحصول على تمويل بنكي تجاري وتمتنع عن الاستفادة منه لرغبتها في استغلال فرصة القرض الحكومي الرخيص او المجاني. 

6-      أن يتم تقييم اداء ادارة الشركة لفترة ماضية كافية (سنتين مثلا) ، وذلك للتأكد من جودة الادارة الحالية في استغلال موارد الشركة المالية واصولها لتحقيق اهدافها.  فاذا اظهر التقييم ان ادارة الشركة (بغض النظر عن الملكية) اتبعت طريقة غير مهنية او اتخذت قرارات غير مبنية على اسس سليمة ، فيمكن فرض اعادة هيكلة للشركة وتطبيق سياسات حوكمة الشركات عليها بما يضمن عدم تعرضها مستقبلا لقرارات فردية او شخصية تؤدي الى خسائر غير مبررة او التعرض للافلاس. 

مرة أخرى ، تدخل الدولة لضمان استمرار الشركات الكبيرة مطلب يجب ان تأخذه في الاعتبار لاعتبارات عديدة من أهمها توفير الاطمئنان للنشاط الائتماني كمتطلب هام لاقتصاد معافي وصحيح. 

عبدالله

الرياض – يونيو 2009

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *