كلمات السر الثلاث

احدث انشاء وافتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية  جدلا يتناسب مع اهميتها وحدثها التاريخي الذي سيكون له وقعا ايجابيا في المستقبل ان شاء الله.  وفي رأيي ان من أهم زاويا هذا الجدل هو التساؤل عن توكيل مهمة التصميم والاشراف والانشاء الى شركة ارامكو السعودية.  لذا ظهر الى العلن تساؤلات في الوسط الصحفي والاجتماعي من قبيل “هل نحن بحاجة لشركة ارامكوا لضمان نجاح تنفيذ مشاريع الدولة؟”  ومن قبيل “هل تتحول أرامكو الى حكومة تنفيذية موازية؟”  وغيرها من الطروحات التي تنتقد اداء الحكومة في تنفيذ مشاريعها الحالية في طفرتها المالية الثانية التي قد لاتتكرر والتي نخاف ان نفقد فرصة الاستفادة منها بافضل فعالية وكفاءة ممكنة.

 وكعادته ، طرح الامير خالد الفيصل بجرأة نقدا قويا لاداء الاجهزة الحكومية وقارنها باداء شركة ارامكو في تنفيذ مشاريعها ، وعدد جزءا من الحلول التي يراها لتفعيل أداء حكومي افضل في كل المناطق ويغطي كافة احجام وانواع مشاريع التنمية.  وانني اذ اؤكد على نظرة سمو الامير في هذا الجانب ، اعتقد أن تحقيق تطوير في الاجهزة الحكومية لن ينجح الا عبر تفعيل كلمات السر الثلاث التالية : اللامركزية ، المنافسة ، الرقابة اللاحقة.  لاأقول هذا من وحي فكر ابداعي، ولكن من الاخذ بنظرية “ان نبتدئ من حيث انتهى الاخرون، فلسنا بحاجة لاعادة اختراع العجلة”. 

لماذا نجحت دبي في صناعة رقعة من النجاح بينما بقية الامارات الست تتراوح بين البدء متأخرة او ارتضت شكلا من التميز الذي قد لايكون بالضرورة اقتصاديا؟  السر هو في استقلالية صنع وتنفيذ القرار التنفيذي للحكومة المحلية.  كان ولايزال لدى حاكم دبي الصلاحيات الكافية لان يصنع القرار الحكومي وينفذه بعيدا عن ترهلات الحكومة المركزية.  ولذلك ، فاعتقد ان منح امارات المناطق ومجالسها المحلية الصلاحيات الكافية لان تقرر مشاريعها التنمية وتنفذها وتراقبها هو الخطوة الاولى والاهم لتفعيل اداء أفضل للحكومة.  وبدون شك، فان سياسة المركزية في التخطيط والتنظيم والرقابة لها جوانب ايجابية عادت بالفائدة على الوطن خلال الفترة الماضية.  ومن أهم اسباب المركزية هو افتقار كثير من مناطق المملكة المترامية الاطراف للكفاءات والوعي اللازم لتنفيذ ادارة محلية فيها، أما وبعد النهضة الحضارية التي مرت بها المملكة وبلوغ الكثير من ابنائها اعلى الدرجات العلمية والمهنية، ودخولها عصر جديد من التطور الاقتصادي والتقني وعصر منظمة التجارة العالمية ونادي العشرون ، فان ذلك يستوجب نمطا من الادارة الغير تقليدية التي لايمكن تحقيقها بالمركزية في العاصمة.  ولابد من تفعيل الحكم المحلي لكل منطقة وكل مدينة وخصوصا المنتخب منها مثل المجالس البلدية.  أن الحكم المحلي هو الاقرب لطبيعة المنطقة واحتياجاتها وأولويات المشاريع المطلوبة لها.  ولأمير المنطقة دورا هاما في قيادة هذه المجالس وتوجيهها والحسم فيما يختلف فيه.    

المنافسة بين المناطق عامل تحفيز مهم ينبغي الاستفادة منه بالشكل الأمثل.  وطبعا فحين تطلب من الحكومة المحلية في المنطقة تعزيز تنافسية المنطقة ، يجب ان تعطيها الصلاحيات والأدوات اللازمة، وهو ما استعرضناه في كلمة السر الاولى “اللامركزية”.  المنافسة هي مفتاح التطوير المستمر.  وللقارئ أن يتخيل لو أن شركة الاتصالات السعودية ظلت بدون منافس ، فهل كانت ستطور خدماتها وتخفض أسعارها وتسعى لإرضاء العميل بشكلها الحالي؟  أن منافسة المناطق بينها البين يستدعي ان تعزز كل منطقة من ميزتها التنافسية التي تميزها عن الأخريات.  وليس من الضروري ان يكون التنافس في الاقتصاد فقط ، وانما في كافة اوجه التميز من ثقافي واجتماعي واقتصادي وتوفير خدمات.  وبذلك يمكن رسم صورة ذهنية عن كل منطقة تستقطب بها المهتمين بهذه الصورة.  فمثلا ، تتميز منطقة مكة بالحركة الاقتصادية وقبلة المسلمين والتنوع الثقافي، بينما تتميز منطقة تبوك بالزراعة والمنتجعات الساحلية ، ومنطقة نجران بزراعة الحمضيات والسياحة الصحراوية في الربع الخالي.  وهكذا تعمل الحكومة المحلية لكل منطقة على تعزيز منتجاتها ونشاطها وصورتها الذهنية بالشكل الذي يراه أهالي المنطقة ويحاسبونها على التقصير فيه.  ونتيجة لذلك، فان الغيرة الايجابية بين المناطق تصبح حافزا قويا للاداء والتطوير.  ويمكن ان نرى المناطق تتنافس لاجتذاب رؤوس الأموال للاستثمار بها او الجامعات العريقة او المهرجانات مثل مهرجان التمور الذي نجحت فيه القصيم بامتياز.  المنافسة كلمة سر للنجاح لاينبغي اهمالها لتحقيق نجاح الادارة الحكومية.  تخيلوا معي لو أن أمارة منطقة ما حصلت على شهادة الايزو العالمية؟  ماذا لو تكفلت إحدى المنظمات المختصة (سعودية) باصدار مؤشر يقيس سهولة الاجراءات الحكومية في المناطق ويرتبها حسب الأفضل؟ 

أحد أركان الادارة هو الرقابة ، وهي اجراء هام جدا لتعديل الانحرافات وتقييم الاداء.  ولكن التطبيق الحالي في الرقابة الحكومية يكثف الرقابة السابقة لصنع القرار والاجراء المالي او الاداري.  اعتقد انه من المهم منح المرونة اللازمة لمتخذ القرار لتنفيذ المشاريع الخدمية بدون ان تدخل عملية التنفيذ في نفق الرقابة والتحقق من نظامية القرار والتي اثبت الواقع الحالي انه نفق تضيع فيه العديد من المشاريع الهامة اذا لم يتعطل تنفيذها سنوات.  ولنجعل من الرقابة الذاتية للادارة الحكومية المحلية عاملا مساعدا وفعالا في المعاملة الحكومية ، حيث ان ان التنفيذ لايعفي من المسئولية التي تتحقق منها الرقابة اللاحقة على التنفيذ من الجهات المختصة سواء كانت محلية في نفس المنطقة او مركزية في العاصمة.  وهذا يستدعي تفعيلا قويا للرقابة اللاحقة وادواتها بحيث تكون هاجسا قويا يحسب له الف حساب.  وهنا لابد من التشديد على أهمية اداة رقابة الصحافة والرأي العام ومنظمات العمل المدني بجانب ادوات الرقابة الحكومية المختصة.  فهذه الاداة (الصحافة والاعلام) يجب ان تكون فعالة وذات صوت قوي تأخذ على عاتقها التنبيه لما قد يفلت من او يغيب على ادوات الرقابة المختصة. 

 وفي الختام، يسعد الانسان ان يرى بلده ينعم بطفرة اقتصادية يقل نظيرها.  ولكن يسعده أكثر أن يلاحظ حراكا نحو التطوير في كافة مفاصل الوطن والتغير نحو الافضل والمطالبة به.  والعمل الحكومي كان ولازال محل انتقاد دائم حتى في افضل دول العالم اداء ، وذلك لارتباطه بكافة شرائح المواطنين وتأثيره المباشر على حياتهم ورخائهم.  ولذلك فأنه من المهم ان نضع تحت المجهر الشكوى الدائمة من روتين وبطء واحيانا فساد اداء الاجهزة التنفيذية الحكومية ، وأن توضع استراتيجية لتطويره.  وأتمنى ان تتضمن مناقشات هذه الإستراتيجية المحاور التي طرحتها وهي اللامركزية ، والمنافسة، والرقابة اللاحقة. 

عبدالله

الرياض – ديسمبر 2009

هذه المقالة كُتبت في التصنيف شأن عام. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *