11 ملاحظة على وثيقة برنامج التحول الوطني 2020م السعودي

 نشر هذا المقال في صحيفة الجزيرة السعودية يوم الاحد 12 يونيو 2016م ، على الرابط التالي  وكذلك على موقع ارقام الاقتصادي على الرابط التالي

لاشك أن الرؤية السعودية 2030م وبرامجها التنفيذية ومنها برنامج التحول الوطني 2020م تعد قفزة كبيرة في منهجية عمل القيادة العليا للدولة والادارة الاستراتيجية للحكومة، وذلك لاسباب عديدة من أهمها المستوى المرتفع للشفافية والوضوح ووضع معايير للاداء والمساءلة وأشراك المواطن والاعلام في الرقابة على التنفيذ، وأشير هنا الى أدراج البرنامج قيم المعايير ألاقليمية والعالمية لمقارنتها بالقيم المستهدفة في البرنامج مما يعكس الثقة في تحقيقها.

ومن هذا المنطلق ومن دافع مهني بحت، اسرد فيما يلي بعضاً من ملاحظاتي عن قرائتي لوثيقة التحول الوطني 2020م، مع الاخذ بالاعتبار أن أي خطة مهما كان الجهد المبذول فيها تظل محل التدقيق والتطوير المستمر، وآمل ان يساهم هذا المقال في محتوى التحديث القادم لخطة برنامج التحول الوطني 2020م.

1.يلاحظ القارئ وجود تباين كبير في بعض طموحات الوزارات واهدافها التي تضمنتها وثيقة البرنامج، فهناك وزارات بالغت في تضخيم أهدافها التي تسعى لتحقيقها خلال فترة البرنامج (4) سنوات، في حين أن هناك وزارات أخرى بالغت في التحفظ وتقليص المطلوب منها خلال نفس الفترة، فمثلا الهدف الاول لوزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية يتضمن رفع قيمة صادرات السلع غير النفطية من (185) مليار ريال الى (330) مليار ريال أي بنسبة زيادة (78%)، في حين ان الهدف الخامس عشر لوزارة البيئة والمياه والزراعة يتضمن رفع نسبة تغطية خدمات الصرف الصحي للسكان من 60% الى 65% فقط أي بنسبة زيادة لاتتعدى(1%) في حين ان المعدل العالمي لتغطية خدمات الصرف الصحي للسكان يبلغ (98%).

2.على الرغم من وضع الاستثمار ركيزة اساسية في ايرادات الدولة ضمن ركائز الرؤية 2030م ، الا أن البرنامج خلا من توضيح توقعات نتائج أعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة وأثرها المتوقع على ايرادات الحكومة وأهدافها المالية والاقتصادية بما في ذلك خطة تحول شركة ارامكو السعودية الى شركة مساهمة عامة وأستثمار ايرادات اكتتابها الاولي، ويمكن تفسير ذلك بعدم الانتهاء من برنامج أعادة هيكلة الصندوق ووضع اهدافه الاستثمارية، ولذلك نتوقع أن يتضمن تحديث خطة برنامج التحول الوطني قريبا مدخلات الصندوق عند الانتهاء من أعدادها.

3.نقلت الصحف تأكيد معالي وزير المالية في المؤتمر الصحفي عن البرنامج على انه لايوجد توجه للدولة لفرض ضرائب من أي نوع على المواطن، وان ضريبة دخل الوافد لاتزال مجرد فكرة تحت الدراسة، ولكن نلاحظ أن الهدف الاستراتيجي الثاني للوزارة يتضمن رفع قيمة الايرادات غير النفطية من (163) مليار ريال الى (530) مليار في العام 2020م ، ومن المعلوم أن أهم ايرادات غير ريعية لأي دولة في العالم هي الضرائب والرسوم، ولذلك فأن توفير هذه الزيادة الهائلة في الايرادات غير النفطية للحكومة وقدرها (367) مليار ريال يستلزم بالضرورة فرض ضرائب بغض النظر عن مسماها او شكلها أو آثارها ألايجابية والسلبية على معيشة المواطن ونمو القطاع الخاص، ويؤكد ذلك تضمن وثيقة البرنامج ثلاث مبادرات لوزارة المالية احداها لاعداد وتطبيق ضريبة الدخل الموحدة، وأخرى لاعداد وتطبيق ضريبة الدخل على المقيمين والثالثة مبادرة “تطبيق اصلاحات ضريبية”.

4.يتضمن الهدف الثامن لوزارة العمل توفير حوالي مليون ومائتي الف فرصة عمل أضافية لائقة متاحة للسعوديين والسعوديات في القطاع الخاص حتى العام 2020م ، وهو رقم كبير جدا مقارنة بما تضمنته مقدمة البرنامج من استهداف البرنامج توفير حوالي (450) الف وظيفة عمل في القطاعات غير الحكومية بحلول العام 2020م، والاختلاف بين الرقمين كبير جدا بما يتطلب توضيحه من الجهة المصدرة للوثيقة.

5.يتضمن الهدف الاستراتيجي الثامن لوزارة العمل تخفيض معدل تكلفة توظيف السعودي مقارنة بالوافد من 400% حاليا الى 280% في العام 2020م ، ويحتاج المراقب معرفة كيف ستحقق الوزارة هذا الهدف، هل هو بتخفيض تكلفة السعودي أو برفع تكلفة الوافد أو بخليط منها، وهل تشمل تكلفة توظيف الوافد تكلفة العماله المنزلية التي لايوجد لها مقابل في تكلفة توظيف السعودي؟ واثر ذلك على التضخم ورفاهية المواطن،  وهذا ما يتوقع معرفته في نشرات رصد اداء البرنامج الذي تضمنت الوثيقة وعدا بتوفيرها للعموم خلال فترة البرنامج.

6.سجلت رؤية 2030م أن من أهدافها رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي من 20% الى 35% ، وبناء عليه تعهدت وزارة التجارة والاستثمار في برنامج التحول الوطني 2020م  بالبدء في رفع هذه النسبة من 20% الى 21% فقط وهو هدف ضئيل جدا لايعكس رغبة نحو تفعيل قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد أو أدراكاً بأهميتها في صنع اقتصاد حقيقي غير ريعي، ويؤكد ضعف هذه الرغبة أن كلا من هدف الرؤية والبرنامج أقل من المعيار العالمي والاقليمي الذين يبلغان على التوالي 51% و 36% ، الا أنه من ناحية أخرى فأن مبادرات الوزارة نحو تطوير هذه المنشآت ودعمها بلغت (10) مبادرات من أجمالي عدد مبادرات الوزارة البالغة (38) مبادرة، وبقيمة اجمالية حوالي (1.5) مليار ريال تمثل حوالي (35%) من أجمالي تكلفة مبادرات الوزارة البالغة حوالي (4.3) مليار ريال، هذا عدا المبادرات المتعلقة بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة في وزارات أخرى مثل وزارة تقنية المعلومات، وفي ذلك تناقض بين ضآلة الاهداف المعلنة في المؤشرات وعدد وتكلفة المبادرات الرامية لتحقيق هذه الاهداف، أو أن الوزارة تعمدت التحفظ المبالغ فيه في تحديد هدفها بما يعكس عدم ثقتها في نتائج مبادراتها المذكورة.

7.بالنظر الى أهمية قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في صنع اقتصاد حقيقي طبيعي غير ريعي، فأنه من المهم أن توضح وثيقة البرنامج تعريف المنشآت الصغيرة والمتوسطة الذي اعتمدت عليه الوزارات المعنية في صياغة اهدافها ومبادراتها ذات الصلة، ويلاحظ في هذا الاطار خلو مبادرات وزارة التجارة من انشاء وتفعيل هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة وهي الجهة المفترض أن تتولى التعريف وتنفيذ وتفعيل مبادرات الوزارة المتعلقة بهذا القطاع، ومن ناحية أخرى، أقترح أضافة مؤشر عن نسبة تمويل البنوك للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، حيث أوضحت تقارير سابقة ضعف هذه النسبة الناتج عن أهمال البنوك لهذه المنشآت بحكم المخاطر المرتبطة بها، وأرى ان المعيار الامثل لقياس نجاح الوزارة في دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو معيار معدل استمرار وبقاء المشاريع الجديدة لمدة 3 سنوات الذي توضح وثيقة البرنامج أنه لازال تحت الاحتساب والدراسة، في حين ان المعيار العالمي هو 82% من المشاريع الجديده تظل قائمة لمدة 3 سنوات وأكثر.

8.على الرغم من كمية البيانات والافصاح المتوفرة في وثيقة البرنامج، الا أن عناوين بعض المبادرات يحتاج الكثير من الشرح والتوضيح والتبرير للمبالغ المرصودة لها بما لايتناسب مع مسماها، فمثلا مبادرة وزارة التجارة والصناعة لتحسين ترتيب المملكة في مؤشر “صنع في السعودية” بقيمة 50 مليون ريال، وحسب مابحثت عنه فأنه لايوجد مؤشر بهذا المسمى، وعنوانه يوحي أنه مؤشر خاص بالسعودية يفترض أن تتسابق فيه المصانع السعودية مع بعضها البعض، فكيف يتم تحسين ترتيب المملكة في هذا المؤشر؟ والمبادرة الاخرى هي مبادرة وزارة التعليم نحو “تطوير مصفوفة متكاملة للمهارات الشخصة المؤدية للنجاح في الحياة العامة والعملية، وتضمينها في المناهج والانشطة غير الصفية” بتكلفة (959) مليون ريال، وهي برأيي تكلفة مبالغ فيها ولا يتضح الاصول المادية او المعنوية الناتجة عنها، فما يفهم من عنوان المبادرة هو جمع وتبويب مهارات شخصية متوفرة وتقدم حاليا في الكثير من دورات تطوير الذات، ومن ثم طباعتها ضمن المناهج، فهل هذه التكلفة تشمل اعادة طباعة المناهج؟ وكيف يمكن فصل هذه التكلفة عن التكلفة التشغيلية الاعتيادية للوزارة في طبع مناهجها وتوزيعها؟  وهناك ايضا مبادرة وزارة الاسكان لانشاء برنامج ادخاري للمواطنين بتكلفة (20) مليار ريال، فهل سيرصد هذا المبلغ لتقديم قروض للمدخرين لشراء مساكن، أم أنه منحة من الدولة تقدمها كدفعة ادخارية للمواطن تضاف الى اشتراكاته في الصندوق؟ أما أذا كان القصد من مبلغ الـ (20) مليار ريال أنه المستهدف من اموال الاشتراكات المجمعة في الصندوق خلال الفترة الى العام 2020م ، فهذه ليست تكلفة على الدولة وانما اشتراكات البرنامج المدفوعة من المواطنين المشتركين بالبرنامج، ولا يجب ان تدخل ضمن تكلفة المبادرات.

9.خلت مؤشرات وزارة الاقتصاد والتخطيط من مؤشرات أقتصادية هامة مثل مؤشر التضخم ومؤشر الناتج المحلي الاجمالي ومؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي ومؤشر العجز في الميزانية وغيرها من المؤشرات العامة والمشتركة مع دول العالم، وتوفر هذه المؤشرات العامة يمكن من مقارنتها مع دول العام ومع قيمها الاساسية الحالية المتوفرة على منصات جهات مختصة أخرى غير وثيقة البرنامج.

10.مؤشر أجمالي العوائد المالي من مشاريخ الخصخصة ضمن مؤشرات وزارة الاقتصاد والتخطيط لازال جاري احتسابه ودراسته ، واعتقد أنه على الرغم من أهمية معرفة قيمة هذه العوائد الا أنه من المهم معرفة المعايير التي سيتم بناء عليها التخصيص لمعرفة مدى نجاح الحكومة في برنامج التخصيص وتحقيق أهدافه، فكان بالامكان تضمين مؤشر لقياس مكرر قيمة الخصخصة الى القيمة الدفترية او التكلفة للخدمات، أو نسبة ضريبة الملكية (Royalty) التي ستطلبها الحكومة من التخصيص، أو نسبة ارتفاع جودة الخدمات بعد التخصيص، ويبدوا أن برنامج التخصيص كبير جدا بحيث يحتاج وقتاً كافياً لاعداده قبل تضمينه خطة التحول الوطني، وحينها نتوقع ان تضاف هذه المؤشرات المقترحة.

11.تضمن الهدف الاستراتيجي الثالث لوزارة الخدمة المدنية معيارين يتعلقان بتخفيض الانفاق على الرواتب الحكومية وتخفيض عدد العاملين في الخدمة المدنية، فهل سنرى مبادرة من الوزارة لمنح الشيك الذهبي لمن يغادر العمل الحكومي طوعيا، كما تفعل الشركات في القطاع الخاص؟ فهذه المبادرة ان حصلت سترفع مستوى الكفاءة والفعالية في انتاجية الموظف الحكومي، بالاضافة الى آثارها الاقتصادية الايجابية العديدة من أهمها تفرغ الكثير من الموظفين المتسترين لاعمالهم الخاصة ورفع مستوى انتاجيتهم في الاقتصاد الوطني.

وفي الاخير، أكرر أن قرائتي السريعة لوثيقة برنامج التحول الوطني تؤكد على وجود مهنية عالية في أعدادها ورغبة صادقة لدى القيادة العليا للدولة والمسئولين عن تنفيذ محتواها نحو تحقيق تغيير حقيقي في الاقتصاد بما يحقق الهدف العام للدولة في استمرار الرخاء والرفاهية للمواطن بافضل المعايير الممكنة، ويأتي تسجيل الملاحظات السابقة ضمن سياق الشفافية والافصاح والرقابة العامة الذين تضمنتهم ركائز الرؤية السعودية 2030م وبرنامجها للتحول الوطني 2020م، وبالله التوفيق.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف شأن عام, مال وأعمال. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *