سوق الأسهم والحاجة إلى مزيد من التخصيص

تم نشر هذا المقال بصحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ 21 مارس 2014م ، رابط المقال على موقع الصحيفة

ارتفع مؤشر السوق المالي السعودي بنهاية عام 2013م بنسبة 25 في المائة عن قيمته في نهاية العام الذي سبقه. وتشير التوقعات إلى استمرار صعوده في العام الحالي 2014، حيث ارتفع المؤشر خلال أول شهرين من السنة بنسبة 7 في المائة، وارتفعت قيمة التداول اليومي بنحو 67 في المائة عن قيمتها بداية السنة، ورجعت حمى التوصيات عبر الرسائل ووسائل الاتصال الاجتماعي. كما ينتظر السوق دخول الاستثمار الأجنبي المباشر وبالتالي زيادة الأموال الساخنة ذات الأهداف الاستثمارية قصيرة الأمد. وكل هذه مؤشرات لإمكانية حدوث فقاعة أسهم كتلك التي انفجرت في شباط (فبراير) 2006م وخسر بسببها الكثير من الأفراد مدخراتهم وقروضهم.

ومن دون شك، فإنه لا يبدو طبيعيا أن يشهد جيل واحد طفرتين في الأسهم، حيث يحتاج التخلص من أثر سقوط الطفرة الأولى إلى وقت طويل وجيل لا يتذكرها. لكن الاقتصاد السعودي يشهد حالة خاصة أوجدتها طفرة أخرى غير عادية من تدفق إيرادات البترول التي تمر عبر الإنفاق الحكومي الهائل إلى شرايين الاقتصاد الضيقة. ويؤكد ذلك بيانات عرض النقود (ن3) من عام 2003 إلى عام 2012، الذي بلغ معدل نموه السنوي التراكمي (CAGR) 14 في المائة وهو المعدل نفسه الذي حققه الإنفاق الحكومي طوال الفترة نفسها، وبالتالي فإن حدوث طفرة أخرى في سوق الأسهم ممكن الحدوث بغض النظر عن درس الطفرة السابقة الباقية في الأذهان. والسؤال النقدي الحاضر هو عن رؤية الحكومة تجاه هذا الأمر، وهل لديها النية للتدخل في السوق لاستباق إيجاد فقاعة مضاربية أخرى ووصول قيمة الأسهم إلى أسعار تفوق قيمتها المنطقية بمستويات عالية، وتصعب معالجتها حينذاك على حساب الأفراد بمدخراتهم وقروضهم؟

والمتابع يتضح له أن الحكومة تتابع عن كثب ومتنبهة لهذا الأمر، لذا أعلنت وزارة المالية الإفراج عن 30 في المائة من ملكية البنك الأهلي خصصت نصفها للأفراد يتوقع أن تطرح للاكتتاب بما لا يقل عن عشرة مليارات ريال، حسب القوائم المالية للبنك لعام 2013، لكنها تظل خطوة من كثير يتوقعه المواطن ويأمله من الحكومة.

سوق الأسهم هو أحد الخيارات القليلة أمام الفرد لاستثمار مدخراته، والخيارات الأخرى بدأت تفقد جاذبيتها. فعلى الرغم من أن العقار هو الخيار المفضل للأفراد والمستثمرين بشكل عام، لكن نموه الرأسمالي والإيرادي وصل إلى مستويات عالية لا يستطيع اختراقها، وإيجاد مشكلة أخرى وهي الإسكان التي جعلتها الحكومة من أهم أولوياتها وبوابة حلها هي تخفيض أسعار العقار والإيجار. والعائد المنخفض على السندات ليس مغريا للمستثمرين الذين يبحثون عن العوائد السنوية لتمويل مصروفاتهم، حيث انخفضت أسعار الفائدة على الودائع المصرفية بالريال السعودي من 4.9 في المائة في عام 2007م إلى 1.1 في المائة في عام 2012، وهو بالتأكيد عائد لا يغطي حتى معدل التضخم. أما الاستثمار في المنشآت الصغيرة بما فيها النشاط الزراعي فيواجه معضلات تنظيمية يجعل منها مخاطرة لا يتحملها أصحاب المدخرات الصغيرة.

لذا يرى الكاتب أن طرح الحصة الصغيرة من البنك الأهلي للاكتتاب العام خطوة واحدة تحتاج إلى خطوات أكثر جرأة وريادة، تتمثل في بيع الحكومة على الأفراد جزءا من ملكياتها الاستثمارية في الشركات والاستثمارات الناجحة، وبما يتفق مع الهدف الثالث لاستراتيجية التخصيص التي أقرها مجلس الوزراء في عام 1423هـ ويشرف عليها المجلس الاقتصادي الأعلى. فحسب تقرير لهيئة السوق المالية تبلغ ملكية جهات حكومية أو شبه حكومية في الشركات المدرجة في سوق الأسهم بنهاية عام 2013 نحو 600 مليار ريال، هذا عدا الملكيات الأخرى غير المدرجة في سوق الأسهم.

ولذا فإن المجلس الاقتصادي الأعلى بحكم اختصاصه مطالب بطرح المزيد من ملكيات الحكومة في الشركات والبنوك للاكتتاب العام. ويقترح الكاتب أن يتم تسعير هذه الطروحات بالقيمة الدفترية للسهم ليكون أكثر عدالة ووضوحا للمواطن، خصوصا أن الحكومة لا تهدف من الطرح التربح من المواطنين على استثماراتها. كما يرى أن تكون الأسهم المطروحة ممنوعة من التداول إلا بعد مدة معينة أو بعد تحقيقها أرباحا بنسبة معينة من قيمتها، لضمان استفادة المواطن من تملكها أطول مدة ممكنة، وتحفيز ثقافة الادخار والاستثمار طويل الأمد لدى المواطنين.

وهذه الخطوة من الحكومة ستحقق لها أهدافا عدة منها توزيع عادل لجزء من الثروة التي حققتها الحكومة على استثماراتها، ومنها توظيف أفضل لمدخرات المواطنين وتشجيع ثقافة الادخار وتعزيزها بين الأفراد، ومنها سحب جزء كبير من السيولة النقدية الساخنة في الاقتصاد التي تؤدي إلى التضخم سواء في أسواق الأسهم والعقار أو حتى في السوق الاستهلاكي.

مرة أخرى، يجب أن تسعى الحكومة للتعامل بسياسة مالية إبداعية مع السيولة العالية في الاقتصاد المحلي الذي لا يستطيع استيعابها دون حدوث أضرار اقتصادية واجتماعية. والسيولة المتدفقة على سوق الأسهم إحدى الظواهر التي لا يجب إهمالها إلى حين حدوث فقاعة أسهم أخرى. وبيع الحكومة جزءا من استثماراتها الناجحة يسهم في تعميق سوق الأسهم واستيعاب الموجات الاستثمارية من الأفراد والمؤسسات بما يحقق العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي يرى الكاتب أنها خطوة تستحق الاهتمام من المجلس الاقتصادي الأعلى.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف شأن عام, مال وأعمال. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.